
لا حماية، لا ثقة، لا التزام: لماذا أصبحت معاهدة حظر الانتشار النووي عبئًا على إيران؟
أنور حسين حامد
في ظل التصعيد الخطير الذي يشهده المشهد الإقليمي والدولي، ووسط انتهاكات فاضحة للمعايير والقوانين الدولية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: ماذا لو قررت إيران الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي؟ لا من باب التهديد أو المناورة السياسية، بل من منطلق الدفاع عن سيادتها الوطنية وحقها الطبيعي في تطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية بعيدًا عن الابتزاز والوصاية الغربية.
لقد تأسست معاهدة حظر الانتشار النووي على مبدأ المساواة والعدالة بين الدول: من يمتلك السلاح النووي يلتزم بنزع تدريجي، ومن لا يمتلكه يضمن له الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية غير أن الواقع أثبت أن هذه المعاهدة باتت أداة استعمارية مقنّعة، تُستخدم لشرعنة الهيمنة الغربية ومنع الدول المستقلة من النهوض واستخدام حقها المكفول لها في هذا المجال .
إيران، التي التزمت ببنود المعاهدة لعقود، وقدّمت أقصى درجات الشفافية والتعاون، لكنها لم تُكافأ إلا بالمزيد من الحصار، والضغوطات، والتهديدات، والاغتيالات، والتفجيرات التي طالت علماءها واستهداف منشآتها السلمية ومع ذلك، ظلت طهران تُعامل كـ “مُتَّهمة” وتُحاسب على النوايا، لا على الأفعال.
اليوم بعدما قامت إسرائيل وبعدها الولايات المتحدة باستهداف المنشآت النووية الإيرانية قبل أربعة أيام وهي نطنز واصفهان وفوردو ذات الطابع السلمي، فإنهما لا ينتهكان فقط سيادة دولة مستقلة، بل يضربان بعرض الحائط كل الأعراف الدولية, وحين تلتزم إيران بالمعاهدة، وتجد نفسها معزولة، ومُستهدفة، ومُدانة من نفس الوكالة او المؤسسات التي يفترض بها أن تحمي منشآتها ، فإن السؤال يصبح محقاً للإيرانيين وهو : ما جدوى البقاء في معاهدة لا توفر حماية لمنشآتها النووية السلمية ؟
اليوم كلنا نعرف ولم يعد خافيًا على احد أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدت حيادها، وتحوّلت إلى منصّة تتحدث بلسان واشنطن وتل أبيب. تقاريرها مسيّسة، تحقيقاتها انتقائية، وتعاملها مع إيران لا يمت بأي صلة للعدالة أو الشفافية بينما تُمنح إسرائيل – التي تملك ترسانة نووية خارج أي رقابة – الحصانة والصمت، تُستهدف إيران بكل صنوف الضغوطات ، فقط لأنها قررت أن تكون مستقلة .
إذا قررت طهران الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار، فلن يكون ذلك خروجًا عن القانون الدولي، بل احتجاجًا شرعيًا على التمييز والانتهاك لسيادتها وتدمير منشآتها النووية السلمية وبالطبع سيمثل انسحابها صفعة قوية لأمريكا وإسرائيل والغرب، وفضيحة مدوية تكشف زيف شعارات “الشرعية الدولية”، وستفتح طهران بانسحابها الباب لعصر جديد تُعيد فيه الدول المستقلة رسم قواعد اللعبة العالمية، على أساس المصالح المتبادلة، لا الاستقواء والتفوق النووي وقد آن الأوان لأن تدرك إيران، ومعها كل الدول والشعوب الحرة، أن الثقة بالغرب وبالمؤسسات الدولية التي يهيمن عليها، هي رهان خاسر. فالغرب لا يحترم إلا من يملك القوة، ولا يعترف إلا بمن يفرض عليه معادلة الندية. أما الضعيف، ولو كان صادقًا ومُلتزمًا، فمصيره الاستهداف .
إن انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار ليس خيارًا متسرعًا، بل ضرورة إستراتيجية لها في ظل الواقع المتغير وهو حق مشروع لدولة أثبتت مرارًا وتكرارًا أنها لا تبحث عن سلاح دمار، بل عن صون سيادتها وكرامة وطنها وعزة شعبها وهذا غير قابل للمساومة .




